لقد أصبحت غزة أكبر مختبر لحرب الصواريخ في العالم منذ عام 2001. وقد أدت آلاف الصواريخ التي تم إطلاقها من القطاع الذي تبلغ مساحته 365 كيلومترًا مربعًا إلى تطوير نظام القبة الحديدية وشكلت العقيدة العسكرية الإسرائيلية. إن فهم هذا التاريخ أمر ضروري لفهم الدفاع الصاروخي الحديث.
تطور صواريخ غزة
المرحلة الأولى: عصر القسام (2001-2006)
بدأت حماس في إطلاق صواريخ القسام محلية الصنع في عام 2001، وهي عبارة عن أنابيب فولاذية مملوءة بأسمدة تجارية متفجرة (نترات البوتاسيوم والسكر) يصل مداها إلى 3-10 كيلومترات. خام وغير دقيق ورخيص (حوالي 500 دولار لكل منهما)، ولكنه فعال كأسلحة إرهابية. ولم يكن لدى إسرائيل أي دفاع ضدهم، وكان السكان المدنيون في المدن الجنوبية مثل سديروت يعيشون تحت تهديد مستمر.
المرحلة الثانية: الواردات الإيرانية (2006-2012)
بدأت إيران بتزويد حماس بصواريخ غراد عيار 122 ملم (مدى 40 كيلومترًا) ولاحقًا صواريخ فجر 5 (مدى 75 كيلومترًا، قادرة على الوصول إلى تل أبيب). أدى هذا إلى تحويل التهديد من مصدر إزعاج محلي إلى مصدر قلق استراتيجي. ولأول مرة، أصبحت المراكز السكانية الرئيسية والمركز الاقتصادي في إسرائيل ضمن مدى الصواريخ.
المرحلة الثالثة: القبة الحديدية (2012 إلى الوقت الحاضر)
أدى نشر القبة الحديدية في عام 2011 إلى تغيير الديناميكية بشكل جذري. وبدلاً من سقوط الصواريخ في مناطق مأهولة بالسكان وتحفيز الطلب العام على الاجتياح البري، تم الآن اعتراض معظم الصواريخ، مما أدى إلى تقليل الخسائر في صفوف المدنيين ومنح القادة السياسيين الإسرائيليين المزيد من الخيارات للرد.
المرحلة 4: النطاق والحجم الموسعان (2021-2024)
طوّرت حماس القدرة على إطلاق صواريخ ضخمة – أكثر من 100 صاروخ في دقائق – مصممة خصيصًا للتغلب على بطاريات القبة الحديدية. كما طوروا صواريخ أطول مدى يصل مداها إلى أكثر من 160 كيلومترًا وبدأوا في دمج أنظمة توجيه بدائية.
تكتيك التشبع
بحلول عام 2021، كانت حماس قد تبنت استراتيجية تشبع متعمدة. فبدلاً من إطلاق الصواريخ بشكل فردي أو في مجموعات صغيرة، أطلقوا طلقات ضخمة ومتزامنة من مواقع متعددة. شهد صراع مايو 2021 إطلاق أكثر من 130 صاروخًا في عملية إطلاق واحدة، وهي مصممة لتتجاوز قدرة الاشتباك المتزامنة للقبة الحديدية.
الحسابات: يمكن لكل بطارية من بطاريات القبة الحديدية تتبع ما يقرب من 20 إلى 30 هدفًا في وقت واحد والاشتباك معها. إذا تم إطلاق 150 صاروخًا في وقت واحد باتجاه مدينة واحدة، فقد تتعطل حتى البطاريتان اللتان تعملان معًا، مما يسمح بمرور بعض الصواريخ.
سلسلة توريد الصواريخ
حماس تحصل على الصواريخ عبر قنوات متعددة:
- الإنتاج المحلي: تنتج المصانع في غزة صواريخ القسام وصواريخ M-75 باستخدام المواد المتوفرة محليًا والمكونات المهربة
- الإمدادات الإيرانية: يتم تهريب الصواريخ الكاملة ومكوناتها عبر الأنفاق (الحدود المصرية)، وبحرًا، وعبر وسطاء
- المعرفة الفنية: قام مستشارون من إيران وحزب الله بتدريب فرق الصواريخ التابعة لحماس على عمليات التجميع والتوجيه والإطلاق
التأثير على الإستراتيجية الإسرائيلية
لقد أدت صواريخ غزة إلى اتخاذ العديد من القرارات الإستراتيجية الإسرائيلية الكبرى:
- تطوير القبة الحديدية: استثمار أكثر من 2 مليار دولار في الدفاع قصير المدى
- العمليات البرية: عمليات متعددة (2008، 2014، 2023) تهدف جزئيًا إلى تدمير البنية التحتية للصواريخ
- الحصار: الحصار البحري والبري المفروض على غزة مدفوع جزئيًا بمنع تهريب الأسلحة
- الكشف عن الأنفاق: استثمار ضخم في تكنولوجيا الحواجز والكشف تحت الأرض
مثلت أحداث أكتوبر/تشرين الأول 2023 والصراع الذي أعقبها الفترة الأكثر كثافة لإطلاق الصواريخ حتى الآن، حيث تم إطلاق أكثر من 12000 صاروخ في الأسابيع الأولى. أثبت أداء القبة الحديدية في هذا الحجم غير المسبوق صحة تصميم النظام مع تسليط الضوء على التحدي المستمر المتمثل في هجمات التشبع.