في يناير/كانون الثاني 2016، بث التلفزيون الرسمي الإيراني لقطات من داخل قاعدة صواريخ تحت الأرض تابعة للحرس الثوري الإيراني لأول مرة. وأظهر الفيديو أنفاقًا محفورة في عمق التضاريس الجبلية، تصطف على جانبيها صفوف من الصواريخ الباليستية على منصات إطلاق متحركة، جاهزة للانطلاق وإطلاق النار. ولعل هذه "المدن الصاروخية" - كما تسميها القيادة العسكرية الإيرانية - تمثل القوة الصاروخية الأكثر مرونة في العالم.
لماذا تحت الأرض؟
لقد تعلمت إيران دروساً بالغة الأهمية من حرب الخليج عام 1991، حين شاهدت البنية الأساسية العسكرية فوق الأرض في العراق وهي تدمر بشكل منهجي بواسطة القوات الجوية الأميركية. وكان الاستنتاج واضحا: أي شيء يمكن رؤيته من الجو سيتم تدميره في الساعات الأولى من الصراع. البنية التحتية الوحيدة التي يمكن النجاة منها هي تحت الأرض.
بدءًا من أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، أطلقت إيران برنامجًا ضخمًا لحفر الأنفاق باستخدام المهندسين العسكريين وفرق البناء. الهدف: إنشاء قوة صاروخية قادرة على الصمود في وجه حملة جوية متواصلة، مع الاستمرار في شن ضربات انتقامية بعد أيام أو أسابيع أو حتى أشهر من سقوط القنابل الأولى.
المرافق المعروفة
في حين أن العدد الدقيق لقواعد الصواريخ الإيرانية تحت الأرض ومواقعها سرية، فقد تم التعرف على العديد منها من خلال صور الأقمار الصناعية ووسائل الإعلام الحكومية الإيرانية:
- قاعدة الإمام علي (منطقة خرم آباد) — المنشأة التي تم عرضها على التلفزيون الحكومي في عام 2016. وتقع على عمق 500 متر تقريبًا تحت الأرض في منطقة جبلية.
- منشآت منطقة تبريز - مجمعات أنفاق متعددة في شمال غرب إيران، لوضع الصواريخ لتوجيه ضربات باتجاه تركيا وخارجها.
- قواعد جبال زاغروس — توفر سلسلة جبال زاغروس جيولوجيا مثالية لحفر الأنفاق العميقة، ويشتبه في وجود منشآت متعددة على طولها.
- المنشآت الجنوبية الشرقية — القواعد الموجهة نحو الخليج العربي وخليج عمان، مما يهدد الأهداف البحرية وعواصم دول الخليج.
وادعت إيران أنها تمتلك "المئات" من هذه المنشآت. ورغم أن هذا قد يكون مبالغة على الأرجح، إلا أن تقديرات الاستخبارات الغربية تشير إلى وجود العشرات من مواقع الصواريخ الرئيسية تحت الأرض في جميع أنحاء البلاد.
الهندسة والتصميم
تم تصميم القواعد الإيرانية تحت الأرض بحيث تتحمل القصف الدقيق:
- العمق: أكثر من 80-500 متر من الصخور المتراكمة، اعتمادًا على الجيولوجيا. أعمق المرافق بعيدة عن متناول أي سلاح تقليدي، بما في ذلك القنبلة الأمريكية المخترقة للذخائر الضخمة GBU-57.
- تصميم النفق: تسمح المداخل والمخارج المتعددة بتوزيع الصواريخ على مواقع إطلاق مموهة. إذا تم تدمير أحد المداخل، تظل المداخل الأخرى عاملة.
- الأبواب المضادة للانفجارات: تعمل الأبواب الخرسانية والفولاذية الثقيلة على حماية مداخل الأنفاق من الانفجارات الوشيكة.
- أنظمة قائمة بذاتها: تسمح التهوية، وتوليد الطاقة، والاتصالات، وأماكن إقامة الطاقم للقواعد بالعمل بشكل مستقل لفترات طويلة.
المفهوم التشغيلي
في حالة الصراع، ستعمل قوات الصواريخ الإيرانية تحت الأرض وفقًا لدورة "الإخفاء - إطلاق النار - الإخفاء":
- تخرج مركبات TEL من مداخل الأنفاق إلى مواقع الإطلاق التي تم مسحها مسبقًا
- يتم تركيب الصواريخ وإطلاقها خلال 15-30 دقيقة
- تعود فرق الاتصالات السلكية واللاسلكية إلى حماية الأنفاق قبل أن تتمكن طائرات العدو من الرد
- أعد التحميل بصواريخ إضافية مخزنة داخل الأنفاق
- كرر ذلك من نقاط خروج مختلفة لتجنب التنبؤ بالنمط
هل يمكن تدميرها؟
يمكن للقنبلة الأمريكية GBU-57 MOP، التي تزن 30 ألف رطل، أن تخترق حوالي 60 مترًا من الخرسانة المسلحة أو 40 مترًا من الصخور متوسطة الصلابة. وهذا يكفي لتهديد المنشآت الضحلة، لكنه لا يكفي ضد القواعد الإيرانية العميقة.
ومع ذلك، فحتى المنشآت العميقة للغاية بحيث لا يمكن تدميرها بشكل مباشر يمكن أن تكون معطلة وظيفيًا. يمكن أن يؤدي انهيار مداخل الأنفاق، وتدمير طرق الوصول، وحفر التضاريس المحيطة إلى منع نقل الصواريخ إلى مواقع الإطلاق. وهذا هو نهج الاستهداف الأمريكي المحتمل، وهو عزل القواعد بدلاً من تدميرها بالكامل.
وتواجه إيران ذلك من خلال الحفاظ على مداخل عديدة، بعضها مموه، ووضع الصواريخ مسبقًا في مواقع إطلاق متفرقة خارج شبكة الأنفاق. والنتيجة هي لعبة قط وفأر معقدة لا يستطيع أي من الطرفين الفوز فيها بشكل نهائي.