شهدت العلاقة العسكرية بين روسيا وإيران تحولًا جوهريًا منذ عام 2022، حيث تطورت من ديناميكية المعاملات بين المشتري والبائع إلى شراكة استراتيجية عميقة تعتمد على الاعتماد المتبادل. وقد قوبل تزويد إيران بطائرات "شاهد" بدون طيار والصواريخ الباليستية لحرب روسيا في أوكرانيا بالتكنولوجيا العسكرية المتقدمة التي لم تتمكن إيران من الحصول عليها في أي مكان آخر. وتعيد هذه الشراكة تشكيل التوازن العسكري في كل من المسارح الأوروبية والشرق أوسطية.
السياق التاريخي
يتمتع التعاون العسكري بين روسيا وإيران بتاريخ طويل ولكنه متفاوت. كان الاتحاد السوفييتي وروسيا فيما بعد بمثابة المزود الرئيسي للأسلحة لإيران بعد الثورة الإسلامية، حيث قدموا كل شيء بدءًا من دبابات T-72 وحتى الغواصات من طراز كيلو. وكانت العلاقة دائمًا عبارة عن معاملات وليست أيديولوجية - فقد باعت موسكو الأسلحة من أجل الإيرادات والنفوذ الإقليمي، في حين اشترتها طهران لأن الحظر الغربي لم يترك سوى القليل من البدائل.
ووصلت العلاقة إلى أدنى مستوياتها في عام 2010 عندما ألغت روسيا تسليم أنظمة الدفاع الجوي S-300 إلى إيران تحت ضغط من الولايات المتحدة وإسرائيل. أثار هذا الإلغاء غضب طهران بشدة وأظهر حدود الموثوقية الروسية كشريك. أدى التسليم النهائي لنظام S-300 المعدل (S-300PMU-2) في عام 2016، بعد الاتفاق النووي في خطة العمل الشاملة المشتركة، إلى إصلاح العلاقة جزئيًا لكنه ترك عدم ثقة متبقيًا.
لقد تغير كل شيء في عام 2022 عندما تحولت روسيا، التي تواجه عزلتها بسبب العقوبات وخسائر المعدات العسكرية في أوكرانيا، إلى إيران كمصدر لأنظمة أسلحة ميسورة التكلفة ومثبتة القتالية. وتحولت العلاقة من التنازل الروسي إلى شراكة أكثر مساواة ذات حاجة متبادلة.
من إيران إلى روسيا: طائرات بدون طيار وصواريخ
كانت أهم الصادرات العسكرية الإيرانية إلى روسيا هي الطائرة بدون طيار الهجومية أحادية الاتجاه شاهد-136. وقد تم تسليم الآلاف من هذه الذخائر الرخيصة (20.000 إلى 50.000 دولار للوحدة) الموجهة بنظام تحديد المواقع العالمي (GPS) إلى روسيا لاستخدامها ضد البنية التحتية الأوكرانية، والمواقع العسكرية، والمدن.
لا تشمل عمليات نقل شاهد-136 الطائرات بدون طيار الجاهزة فحسب، بل تشمل أيضًا تكنولوجيا الإنتاج والمساعدة الفنية. أنشأت روسيا خطوط إنتاج محلية لأنواع الشاهد (المخصصة لـGeran-2 في الخدمة الروسية)، مما أدى إلى تقليل الاعتماد على الإمدادات الإيرانية مع زيادة إجمالي حجم الإنتاج. ويمثل نقل التكنولوجيا هذا مساهمة إيرانية كبيرة في القدرة العسكرية الروسية.
كما أفادت التقارير أن إيران زودت روسيا بصواريخ باليستية قصيرة المدى، يُعتقد أنها من نوع "فتح 110" أو "ذو الفقار". وهذا يمنح روسيا قدرة إضافية على الضربات الدقيقة تتجاوز مخزونها من طائرات إسكندر المستنفدة. تعتبر عمليات النقل حساسة من الناحية السياسية لكلا البلدين - إيران لأنها تنطوي على فائض في الإنتاج المحلي، وروسيا لأنها تعترف بنقص المعدات.
روسيا إلى إيران: خط أنابيب التكنولوجيا
في المقابل، زودت روسيا إيران أو التزمت بتزويدها بأنظمة عسكرية تعمل على تحسين قدراتها التقليدية بشكل كبير:
- الطائرة المقاتلة Su-35 Flanker-E - مقاتلة تفوق جوي متقدمة من الجيل 4++ من شأنها أن تعمل على ترقية القوة الجوية الإيرانية القديمة بشكل كبير، والتي تعتمد حاليًا على طائرات F-14 Tomcats التي تعود إلى حقبة السبعينيات وطائرات MiG-29s التي تعود إلى حقبة الثمانينيات. من شأن الرادار وإلكترونيات الطيران والقدرة الصاروخية للطائرة Su-35 أن تمنح إيران أول منصة قتالية جوية حديثة وذات مصداقية
- نظام الدفاع الجوي S-400 Triumf — نظام الدفاع الجوي التصديري الأكثر قدرة في روسيا، مع نطاقات اشتباك تتجاوز 250 كيلومترًا وقدرة على تتبع الطائرات الشبح والاشتباك معها. إن التسليم الكامل لنظام S-400 من شأنه أن يعقد بشكل كبير العمليات الجوية للتحالف فوق المجال الجوي الإيراني أو بالقرب منه
- أنظمة الحرب الإلكترونية — معدات تشويش واستخبارات إشارات متقدمة تعزز قدرة إيران على إضعاف ذخائر التحالف الموجهة بدقة وأنظمة الاستطلاع
- صور الأقمار الصناعية العسكرية - توفر بيانات الأقمار الصناعية الروسية لإيران قدرة استطلاع لا يمكنها توليدها بشكل مستقل، مما يحسن استهداف الضربات الصاروخية
- المساعدة الفنية — مهندسون ومستشارون روس يدعمون البرامج الإيرانية في تكنولوجيا الرادار وتوجيه الصواريخ وتكامل الدفاع الجوي
الحدود والاحتكاك
على الرغم من تعميق الشراكة، لا تزال هناك حدود كبيرة ومصادر للاحتكاك:
الجداول الزمنية للتسليم: تتطلب الأنظمة المعقدة مثل Su-35 وS-400 سنوات من العقد إلى القدرة التشغيلية. يستغرق تدريب الطيارين، والبنية التحتية للصيانة، وسلاسل توريد قطع الغيار، والتكامل مع الأنظمة الحالية وقتًا طويلاً. إن المطالب المباشرة للصراع الحالي تتجاوز الجدول الزمني لتسليم العروض الروسية الأكثر أهمية.
الاختلاف الاستراتيجي: لدى روسيا وإيران مصالح متداخلة ولكنها ليست متطابقة. وفي سوريا، تنافست روسيا وإيران على النفوذ حتى مع دعمهما اسمياً لنفس الجانب. إن علاقات روسيا مع إسرائيل ودول الخليج - رغم توترها - ليست من الأصول التي ترغب موسكو في التضحية بها بشكل دائم من أجل المصلحة الإيرانية.
مخاوف تتعلق بالجودة: تتعرض صناعة الدفاع الروسية نفسها لضغوط شديدة بسبب الحرب في أوكرانيا. وقد تم استنزاف الطاقة الإنتاجية، كما ورد أن مراقبة الجودة قد انخفضت. المعدات التي يتم تسليمها إلى إيران قد لا تلبي معايير وقت السلم.
عدم تناسق التبعية: تحتاج إيران إلى التكنولوجيا الروسية أكثر من حاجة روسيا إلى الطائرات الإيرانية بدون طيار، مما يخلق شراكة غير متوازنة تتمتع فيها موسكو بنفوذ أكبر على طهران من العكس.
التداعيات الجيوسياسية
إن الشراكة العسكرية بين روسيا وإيران لها آثار أوسع نطاقًا على البنية الأمنية العالمية. فهو يخلق سابقة للدول المستهدفة بالعقوبات التي تتعاون للتحايل على العزلة. فهو يربط مسارح الصراع في أوروبا والشرق الأوسط، مما يعني أن التصعيد في منطقة واحدة يمكن أن يؤثر على منطقة أخرى من خلال تأثيرات سلسلة التوريد. وهو يعمل على تسريع الاتجاه نحو سوق أسلحة عالمية منقسمة، حيث يتركز نظام بيئي واحد على الصناعات الدفاعية الغربية وآخر ينشأ حول الإنتاج الروسي والصيني والإيراني.
بالنسبة للتحالف الذي يقاتل إيران، فإن الشراكة الروسية تعني أن القدرات العسكرية الإيرانية سوف تتحسن بمرور الوقت حتى في ظل ظروف الحرب. كل شهر من الصراع الذي يسمح بإمدادات روسية إضافية يغير التوازن العسكري. وهذا يخلق حافزًا استراتيجيًا للتحالف إما لتسريع العمليات قبل أن تصبح الأنظمة المتقدمة جاهزة للعمل، أو استهداف سلسلة التوريد الروسية الإيرانية نفسها - وكلاهما خياران ينطويان على مخاطر تصعيد كبيرة.